كتبت/ إكرام أبوالروس

مر العقد الثالث من عمرها كلمح النظر، لتجد نفسها من شابة صغير في مقتبل ربيع العمر مليئة بالأحلام والطموحات لتجد نفسها مسئولة عن أسرة و أطفال، خلال تكوينها تخلت عن عدد ليس بقليل من طموحاتها، وحين تمر عليها بعض اللحظات الهادئة النادرة في معركة يومها لتسأل نفسها، هل فقدت ذاتي ونجاحي بعد الزواج والأولاد.

الزواج هبة من الله عز وجل، جعلها في شريعة الأديان، فهو يمد الزوجين بالسكينة والمودة والرحمة، ولكن المجتمع بعاداته وأفكاره البالية حوله إلى غير ذلك، حوله إلى سجن لطموحات وأحلام الزوجين، فقد جعل كلاً منهما في قالب يمنعه من ممارسة حقه في تحقيق أحلامه.

الزوج والزوجة في نظر المجتمع.

يزرع المجتمع في عقول الرجال والنساء بأن كل منهما له دور أو بالأحرى قالب لا يمكنه الخروج عنه، وإلا كما يزعمون تتعرض الأسرة إلى الإنهيار، فالزوج مُطالب أن يذهب للعمل ليكسب قوت يومه من أجل إطعام زوجته وأولاده فيما بعد، بينما الزوجة دورها داخل المنزل تهتم بتقديم أجود الأطعمة والأشربة للعائلة، وتدور حياتها كلها على الجديد من الوصفات.



لا أنكر هذا الجزء من أدوارهما، لكنه يظل جزء بسيط جداً من مفهوم الحياة الزوجية، لا يمكننا حصر مثل هذه العلاقة بمفهومها الواسع في دور من أجل فقط الحياة بالأكل والملبس، فالإنسان كرمه الله عز وجل بالعقل ليس من أجل هذا فقط!

ولكن حصر المجتمع لهما في هذا الدور يجعلهما بعد عدد من السنين يتوقفا لكي يتسائلا هل فقدت ذاتي ونجاحي بعد الزواج والأولاد.

ما ذكرته سالفاً هي إشباع إحتياجات فطرية من أجل التنفس والمعيشة، ليؤدي كلاً منا هدفه في هذه الحياة، نحن لم نُخلق من أجل أن نأكل ونشرب ونتزاوج فقط مثل الحيوانات، لكلاً منا رسالة، ورحلته في الحياة يسعى هنا وهناك من أجل أن يكتشفها ليؤدي دوره في إعمار هذه الأرض قبل الرحيل.

الزواج وسيلة وليس هدف.

من أسوأ المعتقدات التي تتسم بالجهل زرع فكرة أن الزواج هدف في نفوس الولد والبنت منذ طفولتهما، فيخلق الوالدان في الولد بأن هدفه في الحياة العمل في وظيفة مرموقة لكي يتزوج، وكذلك البنت أن هدفها الأساسي في الحياة أن تستظل بظل رجل لتعلن نجاحها بين قريناتها!

يزرعون في عقولهم بأن إرتداء البدلة السوداء والفستان الأبيض هي الهدف الأسمى في حياتهم لتهبط لافتة النهاية كما في الأفلام القديمة.

لقد منحنا الله عز وجل الزواج وسيلة لسكينة الروح والقلب، من أجل شريكين في الحياة، يساند كلاً منهما الأخر لإكتشاف ذاته وتطوير مهارته، ودفعه للأمام من أجل تحقيق طموحاته، وذلك ليس بطريق يسير لأن في سبيل السير على هذا الطريق يوجد العديد من العقبات والمسئوليات، والأخطاء، وكثيراً من الفشل.

أولادنا ونجاحنا الشخصي.

الأطفال هم أجمل ما يمكن أن يهبك الله عز وجل في حياتك، فهي نعمة تستحق الشكر لله سبحانه وتعالى، عندما تنجب أطفالاً فقد أصبح جزءاً من قلبك يتحرك حولك، لهم الأولوية قبل أي نجاح شخصي، لكن هذا لا يعني إلغاء نجاحك وطريقك للبحث عن رسالتك في الحياة، ربما ستسير ببطء أكثر لأنهم يحتاجون إليك دائماً، فأنت وسيلتهم للتعرف على العالم من حولهم، لكن إستمرارك في تحقيق ذاتك ونجاحك هو أعظم ما تقدمه لأولادك، فسيرون فيك أعظم قدوة تربيتهم على أن الحياة ليست طعام ولهو فقط، لكن رحلة غرضها إعمار الأرض، وكل مُيسر لما خُلق له.

هل فقدت ذاتي ونجاحي بعد الزواج والأولاد

 

هل فقدت ذاتي ونجاحي بعد الزواج والأولاد؟



لا أظن ذلك، البحث عن الذات والنجاح هي رغبة وإحتياج يخلقه الله سبحانه وتعالى داخلنا في فطرتنا، شعلة لا نستطيع إخمادها، وإلا عشنا التعاسة على حق، لقد وجدت ذاتي في أولادي قبل أن أحقق نجاحي خارج أسرتي، لقد خضت العديد من التجارب الصعبة والعقبات مع أولادي، كلاً منها علمني درساً جديداً في الحياة، واكتشفت في نفسي العديد من المهارات والإمكانيات التي لم أعرف أني أمتلكها، لقد ساعدوني في تحقيق ذاتي ودفعوني إلي النجاح، دفعوني إلى تربية رجل وامرأة يزرعون بصمة ونجاحاً في المستقبل لإعمار الأرض التي هبطنا فيها حتى نستكمل رحلتنا عائدين للمولي عز وجل بأعمالنا ليراها الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون.